الشيخ محمد هادي معرفة

32

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

قائلًا : « لأنّك - خطابا لآدم - يوم تأكل منها موتا تموت » . « 1 » وهي كذبة حاول خداعهما بذلك لئلّا يصبحا عارفين كالإله وينافسا سلطانه ، الأمر الذي صادقهما فيه إبليس وقال لهما : « لن تموتا ، بل اللّه عالم أنّه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كاللّه عارفين الخير والشرّ » ! « 2 » وحينما أكلا منها تبيّن صدق إبليس وكذب الإله - وحاشاه - فانفتحت أعينهما وشعرا بأنّهما عريانان فجعلا يخيطان لأنفسهما مآزر من ورق التين . وفي هذا الأثناء جاء الإله يتمشّى بأرجله في الجنّة إذ سمعا الصوت فاختبآ وراء شجرة لئلّا يفتضح أمرهما ، وناداهما الربّ : أين أنتما ؟ فقال آدم : ها نحن هنا فخشيت لأنّي عريان فاختبأت ! فهنا عرف الربّ أنّهما أكلا من الشجرة وأصبحا عارفين للخير والشرّ فقال : هو ذا الإنسان قد صار كواحدٍ منّا ، والآن لعلّه يمدّ يده ويتناول من شجرة الحياة ويحيا إلى الأبد ، فطردهما من الجنّة وأقام حرسا عليها لئلّا يقربا منها . هكذا إله التوراة يخشى منافسة مخلوق صنعه بيده فيماكر ويخاتل كي يصرفه عنها ، ويجهل ويكذب كذبةً عارمة افتضحت لفورها على يد إبليس منافسه الآخر ! الأمر الذي يشفّ عن عجز وضعف مضافا إلى الوهن في التدبير والعياذ باللّه ! * * * هذا ، والقرآن يعلّل المنع ( من تناول الشجرة ) بشقاء ( عناء في الحياة ) سوف ينتظرهما لو أكلا منها ، منعا إرشاديّا لصالح أنفسهما : « فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى » . « 3 » أي تقع في مشاقّ الحياة بعد هذا الرغد في العيش الهنيء . وإبليس هو الذي ما كرهما وكذب كذبته الفاضحة : « قالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ . وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ .

--> ( 1 ) - سفر التكوين ، الأصحاح 2 / 17 . ( 2 ) - المصدر : 3 / 4 و 5 . ( 3 ) - طه 117 : 20 .